الجنيد البغدادي
279
رسائل الجنيد
وعن جعفر الخلدي رحمه اللّه : قال : سمعت جنيدا رحمه اللّه يقول : دخل الحارث المحاسبي رحمه اللّه داري فلم يكن عندي شيء طيب أطعمه ، قال : فمضيت إلى دار عمي فأخرجت منها شيئا وحملت لقمة ففتح فمه فجعلت في فمه فكان يحوله من جانب إلى جانب ولا يبتلعه ثم قام وخرج فألقاه في الدهليز فذهبت خلفه وقلت : يا عمي رأيتك لم تبتلع ثم قمت وألقيته في الدهليز قال : نعم بني وذلك أن بيني وبين اللّه تعالى أنه إذا كان شيء من غير وجهه لا يتهيأ لي بلعه ، وكنت فتحت فمي لإدخال السرور عليك ولم يتهيأ لي أن أبلعه فقمت فألقيته في الدهليز . ( كتاب اللمع ، ص : 407 ) . بيان هذه الألفاظ قال الجنيد رحمه اللّه : لقد فاز قوم دلهم وليهم على مختصر الطريق فأوقفهم على محجة المناجاة ولوح لهم على فهم الدعوة إلى المسارعة بالمناسبة إلى فهم الخطاب إذ يقول جل وعز وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ « 1 » فنهضت العقول مستجيبة بحسن التوجه لإقامة ما به يحظون عنده . ( كتاب اللمع ، ص : 412 ) . قال الجنيد رحمه اللّه : أبت الحقائق أن تدع للقلوب مقالة للتأويل . ( كتاب اللمع ، ص : 413 ) . حكي عن الشبلي رحمه اللّه أنه قال : قال لي الجنيد رحمه اللّه : يا أبا بكر ما ظنك بمعنى خصوص الخصوص فيما تجري إليه من القول عموم ثم قال : خصوص الخصوص في نعت الإيماء إليه عموم . ( كتاب اللمع ، ص : 414 ) . قال الجنيد رحمه اللّه : جلست عند ابن الكريني فأومأت برأسي إلى الأرض فقال : بعد . ثم أومأت برأسي إلى السماء فقال : بعد ، وقال الشلبي : رحمه اللّه ومن أومأ إليه فهو كعابد وثن لأن الإيماء لا يصلح إلا إلى الأوثان ، وقال القائل : ولي عند اللقاء وفيه عتب بإيماء الجفون إلى الجفون فأبهت خيفة وأذوب خوفا وأفنى عن حراك أو سكون . ( كتاب اللمع ، ص : 414 ) .
--> ( 1 ) آل عمران : من الآية 133 .